محمد الغزالي

77

خلق المسلم

والدرجة والترقية . ويحتسبون بدينهم ودنياهم داخل هذا النطاق ، ويربطون رضاهم وسخطهم ، وفتورهم ونشاطهم بميزانه المضطرب . قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « إذا كان آخر الزمان صارت أمتي ثلاث فرق : فرقة يعبدون اللّه خالصا ، وفرقة يعبدون اللّه رياء ، وفرقة يعبدون اللّه ليستأكلوا به الناس . فإذا جمعهم اللّه يوم القيامة قال للذي يستأكل الناس : بعزتي وجلالي ما أردت بعبادتي ؟ قال : وعزتك وجلالك أستأكل بها الناس . قال : لم ينفعك ما جمعت ، انطلقوا به إلى النار . ثم يقول للذي كان يعبد رياء : بعزتي وجلالي ما أردت بعبادتي ؟ قال : بعزتك وجلالك رياء الناس ! قال : لم يصعد إلي منه شيء ، انطلقوا به إلى النار ، ثم يقول للذي كان يعبده خالصا : بعزتي وجلالي ما أردت بعبادتي ؟ قال : بعزتك وجلالك أنت أعلم بذلك من أردت به ، أردت به ذكرك ووجهك . قال : صدق عبدي ، انطلقوا به إلى الجنة » « 1 » . * * * والإخلاص العميق ، ألزم ما يكون لميادين العلم والثقافة ، فإن العلم أشرف ما ميز اللّه به الأكرمين من خلقه . فمن الزراية الشنيعة به أن يسخّر لعوامل الشر ، وأن تختلط به الأهواء والفتن ، والعالم لم تصبه الجراحات القاتلة إلا على أيدي علماء ، فقدوا الخلق الفاضل ، والنزاهة المحمودة . . . وقد أوجب الإسلام على الأستاذ والطالب جميعا ، أن يتجردا للعلم ، وأن ينظرا قبل كل شيء إلى المثل العالية والمصلحة العامة . والتعلم والتعليم ابتغاء المال وحده وتلهفا على المنفعة الشخصية المحضة ، كما هو ديدن الألوف اليوم ، هو في الحقيقة استهانة بقيمة العلم ، وإضاعة لرسالته الجليلة . قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « من تعلّم علما مما يبتغى به وجه اللّه تعالى ، لا يتعلمه إلا ليصيب عرضا من الدنيا ، لم يجد عرف « 2 » الجنة يوم القيامة » « 3 » . وقد كره الإسلام كذلك أن يطلب المرء العلم ، حتى إذا نبغ فيه استكبر به على الناس ، واتخذه وسيلة للشغب والمراء .

--> ( 1 ) الطبراني . ( 2 ) عرف الجنة : ريحها . ( 3 ) أبو داود .